في عمق صحراء محافظة المهرة شرق اليمن، تقبع حفرة عملاقة حيّرت السكان والعلماء على حد سواء: بئر برهوت، المعروفة شعبيًا باسم "قعر الجحيم".
قطرها يقارب 30 مترًا، ويصل عمقها إلى أكثر من 100 متر، وتبدو كفمٍ مفتوح في قلب الصحراء، يبتلع الضوء ويثير الرهبة منذ مئات السنين.
فهل هي حقًا سجن للجن؟ أم أن الحقيقة أقل رعبًا… وأكثر إدهاشًا؟
الأسطورة: سجن الأرواح وبوابة العالم السفلي
تناقلت الأجيال في جنوب الجزيرة العربية قصصًا غامضة حول البئر، من أبرزها:
-
أنها سُجّنت فيها الجن والأرواح الشريرة منذ القدم.
-
أن مياهها مسمومة ولا تصلح للحياة.
-
أن روائح كريهة تنبعث منها بين الحين والآخر.
-
أن من يقترب منها قد يتعرض لقوى خفية تسحبه إلى الداخل.
هذه الروايات عززت رهبة المكان، وجعلت السكان يتجنبون الاقتراب منه لعقود طويلة.
كسر حاجز الخوف: الاستكشاف العماني 2021
في سبتمبر 2021، قرر فريق من فريق استكشاف الكهوف العماني النزول إلى القاع في مهمة علمية موثقة، متحدّين الأساطير المتوارثة.
ماذا وجدوا في القاع؟
1) لآلئ الكهوف (Cave Pearls)
تشكيلات كلسية كروية نادرة تتكوّن بفعل ترسب المعادن حول قطرات الماء المتساقطة — مشهد جيولوجي أخّاذ ونادر الوجود.
2) شلالات داخلية
مياه عذبة تنحدر من جدران البئر، ما يشير إلى وجود نظام مائي جوفي نشط تحت الصحراء.3) حياة فطرية طبيعية
بدلاً من الكائنات الأسطورية، وُجدت أفاعٍ وطيور نافقة وبعض الكائنات الصغيرة التي تعيش في التجاويف الصخرية. ويُرجح أن تحلل الحيوانات هو مصدر الروائح التي غذّت الخرافات لسنوات.المفاجأة الكبرى؟
لم يعثر الفريق على أي ظواهر خارقة — بل على نظام بيئي طبيعي معزول ومثير للاهتمام علميًا.
كيف تشكّل هذا العمق الدائري؟
يرجّح الجيولوجيون أن بئر برهوت عبارة عن حفرة انهيارية (Sinkhole)، تشكّلت نتيجة ذوبان الصخور الكلسية بفعل المياه الجوفية عبر آلاف أو ملايين السنين، ما أدى إلى انهيار السطح وظهور هذا الفم الدائري شبه المثالي.
ولا تزال الدراسات مستمرة لفهم عمر التكوين بدقة وطبيعة الطبقات الصخرية المحيطة به.
لماذا لا تزال بئر برهوت "أعجوبة طبيعية"؟
حتى بعد تفسير الأساطير، يبقى المكان استثنائيًا لعدة أسباب:
-
عزلة جغرافية تامة في قلب صحراء نائية.
-
تكوين جيولوجي نادر وفريد بصريًا.
-
تداخل ساحر بين الأسطورة والعلم يمنحه بعدًا ثقافيًا مميزًا.
إنها ليست مجرد حفرة في الأرض، بل قصة كاملة عن خوف الإنسان من المجهول… ثم سعيه لاكتشاف الحقيقة.
بين الأسطورة والعلم
بئر برهوت مثال حيّ على كيف يمكن للطبيعة أن تخلق مشاهد تبدو خارقة، فتولد حولها الأساطير، قبل أن يأتي العلم ليكشف أسرارها بهدوء.
سواء رأيتها بوابةً للعالم السفلي كما في الروايات الشعبية، أو ظاهرة جيولوجية مذهلة كما يراها العلماء، فإنها تبقى واحدة من أكثر المواقع إثارة وغموضًا في شبه الجزيرة العربية.
وفي النهاية، ربما يكمن سحرها الحقيقي في هذا السؤال المفتوح:
هل انتهت الأسطورة فعلًا… أم أن للصحراء أسرارًا لم تُكتشف بعد؟














