في أقصى غرب فنزويلا، فوق بحيرة ماراكايبو، تحدث واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية غرابة على كوكب الأرض. هناك، لا ينام الليل كما نعرفه، فالسماء تشتعل بآلاف ومضات البرق لساعات طويلة، في مشهد يخطف الأنظار ويثير فضول العلماء منذ قرون. إنها ظاهرة برق كاتاتومبو، التي تحولت مع الزمن إلى معلم طبيعي فريد لا مثيل له.
هذه الظاهرة ليست عاصفة عابرة، بل حدث يتكرر بانتظام، حيث تظل السماء مضاءة بما يصل إلى 10 ساعات متواصلة في بعض الليالي، مما جعلها تُعرف تاريخيًا باسم “منارة ماراكايبو”.
أرقام مذهلة عن برق كاتاتومبو
-
كثافة غير مسبوقة: يصل معدل حدوث البرق إلى نحو 280 صاعقة في الساعة خلال ذروة النشاط.
-
سجل عالمي: تسجل المنطقة ما يقارب 1.2 مليون صاعقة سنويًا، وهو أعلى تركيز للبرق في العالم.
-
رقم قياسي رسمي: أُدرجت الظاهرة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر مكان يشهد صواعق رعدية على وجه الأرض.
-
برق بلا ضجيج: كثير من هذه الومضات تكون ضعيفة الصوت أو شبه صامتة، ما يمنح المشهد طابعًا بصريًا هادئًا رغم قوته.
ظاهرة طبيعية صديقة للغلاف الجوي؟
من الجوانب اللافتة أن برق كاتاتومبو يُعد أحد أكبر المصادر الطبيعية لتكوين غاز الأوزون في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. فالتفريغ الكهربائي المستمر يساهم في تفاعلات كيميائية تساعد على تجديد هذا الغاز الحيوي، ما يمنح الظاهرة بُعدًا بيئيًا مهمًا.
لماذا يحدث برق كاتاتومبو في هذا المكان فقط؟
السر يكمن في الجغرافيا الفريدة للمنطقة.
فوق بحيرة ماراكايبو، تلتقي:
-
الرياح الدافئة والرطبة القادمة من البحر الكاريبي
-
مع الهواء البارد المنحدر من جبال الأنديز
هذا التصادم الهوائي، إلى جانب التبخر الكثيف لمياه البحيرة والمستنقعات المحيطة بها، يخلق ظروفًا مثالية لتكوّن العواصف الكهربائية بشكل شبه دائم. ويُعتقد أن الغازات الحيوية المنبعثة من المستنقعات، مثل الميثان، قد تلعب دورًا مساعدًا في تعزيز النشاط الكهربائي.
منارة البحّارة عبر التاريخ
قبل ظهور أنظمة الملاحة الحديثة، كان البحارة يعتمدون على هذا البرق كدليل طبيعي في عرض البحر. فوميضه القوي كان يُرى من مسافات بعيدة، ليساعد السفن على تحديد موقع الساحل، بل وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنه لعب دورًا في كشف محاولات غزو بحرية قديمة.
ظاهرة لا تزال تثير الأسئلة
رغم التقدم العلمي، لا يزال برق كاتاتومبو موضوعًا للدراسة والبحث، إذ يجمع بين الجمال البصري، والتأثير البيئي، والتعقيد المناخي. وهو مثال حي على أن كوكب الأرض ما زال يحتفظ بأسرار مدهشة تنتظر من يكتشفها.
















