تخيّل أن تستيقظ كل صباح لعدة أشهر متواصلة… ولا ترى الشمس إطلاقًا.
لا شعاع دافئ، ولا صباح مشرق، ولا نور ينعكس على النوافذ.
فقط وادي عميق وجبال شاهقة تحجب كل ضوء قد يمر.
هذه ليست قصة خيالية…
بل واقع عاشته مدينة كاملة في قلب النرويج: قرية رجوكان – Rjukan.
المدينة التي صارت تُعرف عالميًا باسم: "القرية التي لا ترى الشمس".
أين تقع هذه القرية ولماذا لا ترى الشمس؟
تقع رجوكان وسط وادٍ عميق، تحيط به جبال يبلغ ارتفاعها أكثر من 1000 متر.
هذا الارتفاع الهائل يمنع أشعة الشمس من الوصول إلى القرية خلال ستة أشهر كاملة من كل عام، تحديدًا من سبتمبر حتى مارس.
حين تتحرك الشمس منخفضة في السماء خلال الشتاء، تبقى خلف حاجز الجبال…
وتعيش القرية في ظل دائم لا ينتهي.
حياة تحت الظلال: كيف تأثر السكان؟
العيش بدون ضوء الشمس لم يكن أمرًا سهلاً:
- انتشار الشعور بالكسل وقلة الطاقة
- زيادة حالات الاكتئاب الشتوي
- اعتماد الناس بشكل كامل على المصابيح الصناعية
- خروج أقل… وتواصل اجتماعي أقل
لكن رغم هذه الظروف، بقي السكان متمسكين بمدينتهم الجميلة وبيئتها الساحرة.
الحل العبقري: مرايا تطارد الشمس!
في عام 2013، ظهر الحل الذي اعتُبر حينها فكرة مجنونة لكنه أنقذ القرية.
قامت السلطات بتركيب ثلاث مرايا عملاقة على قمة الجبل المواجه للقرية.
هذه المرايا تعمل بطريقة ذكية:
تتبع حركة الشمس بشكل مستمر
تعكس أشعتها نحو ساحة القرية
تمنح السكان منطقة مضيئة يمكنهم الاستمتاع بها طوال النهار
تحوّلت الساحة المظللة إلى بقعة ذهبية من الضوء، يجتمع فيها السكان، ويلعب الأطفال، وتُقام الاحتفالات.
هذه الفكرة لم تُنقذ القرية فقط…
بل صارت مصدر جذب سياحي عالمي!
قرى أخرى تعيش الظلام أيضًا
لم تكن رجوكان الوحيدة التي عانت من غياب الشمس.
فهذه الظاهرة تتكرر في مناطق محاطة بالجبال في عدة دول:
1 — فيغانيلّا – Viganella (إيطاليا)
قرية صغيرة في جبال الألب، كانت تعيش 84 يومًا بدون شمس.
عام 2006، جرى تركيب مرآة عملاقة تعكس الضوء إلى الساحة الرئيسية.
2 — سكياداس – Skiadas (اليونان)
يُطلق عليها “قرية هاديس”…
فالأسطورة تقول إن الشمس تخاف الاقتراب منها بسبب الجبال الداكنة المحيطة بها.
3 — قرى في ألاسكا وكندا
بعض المناطق تعيش أسابيع طويلة في الليل القطبي، ولكن لأسباب فلكية لا علاقة لها بالجبال.
تأثير الفكرة على حياة السكان
بعد تركيب المرايا تغير كل شيء:
- تحسن المزاج العام
- ارتفاع النشاط السياحي
- زيادة الأنشطة الخارجية
- تغير سمعة المدينة عالميًا
لم تعد رجوكان “القرية التي لا ترى الشمس”…
بل أصبحت القرية التي هزمت الظلام بابتكار مذهل.
لماذا انتشر الخبر عالميًا؟
لأن قصة رجوكان ليست مجرد ابتكار هندسي، بل درس إنساني:
عندما يُغلق طريق… يمكنك خلق طريق آخر
الطبيعة قوية… لكن الإنسان يبتكر
لا يوجد ظلام كامل طالما أن هناك فكرة تخلق الضوء
هذه القصة وصلت لوسائل إعلام عالمية، ووثائقيات، وصحف كبرى، وأصبحت مثالًا يُدرّس في الجامعات.
خاتمة: قرية بين الظل والنور
رجوكان تذكّرنا أن الشمس ليست مجرد ضوء…
بل هي حياة، طاقة، وبداية جديدة.
وأن الإنسان قادر دائمًا على تحويل المستحيل إلى واقع.
ففي وادٍ لا ترى الشمس، استطاع الناس أن يصنعوا “نهارهم” بأيديهم.
فربما يكون أكثر الأماكن ظلامًا… هو الأقرب لصنع الضوء.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق